كتب (م.ش) الى افتح قلبك يقول:

أنا شاب في الثامنه عشره من عمري, أعيش في غزه, حلم عمري كان في شيئين, السفر الى الخارج, و دراسة تكنولوجيا المعلومات, كثير من أصدقائي و معارفي استطاعوا الحصول على منح دراسيه بجامعات بالخارج, وهم يتعلمون و يعملون الآن هناك, لكني حاولت كثيرا الحصول على مثل هذه المنح و لكني لم أوفق الا  الى منحه الى جامعة الجزائر, وشاء القدر أن يلغى السفر الى الجزائر ذلك العام, كما أن قدراتنا الماديه لا تسمح بتحمل تكاليف السفر و الدراسه, لهذا تقبلت الأمر الواقع و بدأت في دراسة تكنولوجيا المعلومات هنا بغزه, وبعد ان كنت طالب مجتهد جدا و ملتزم جدا بالمرحله الثانويه, صدمت بالدراسه في الجامعه هنا, فلا الدراسه  كما احب, ولا المعلومات حديثه, ولا اي شئ كما كان في خيالي, فاصبحت غير منتظم في الدراسه, وفي الحياه عموما, فقد اصبحت انام طوال النهار, وأسهر طوال اليل, لا اتكلم مع أحد حتى أهلي, ليس لي أي نشاط او حياه الا على النت, حتى اني اجلس عليه بالتسع ساعات متواصل, وما زاد الطين بله هو سفر صديقي الصدوق الأخير الى الخارج للتعليم, ودعته يومها وكلي يأس في الحياه, فها هم كل من حولي يذهبون و يتركونني وحيدا ضائعا لا أعرف من أنا, لم احرز تقدما في دراستي بالطبع,ورسبت في معظم المواد, لكنه بعد فتره ارسل لي صديقي و طمأنني ان الحياه عنده جيده و غير مكلفه كثيرا, ولاح الي الأمل من جديد وبدأت أرتب الى السفر أنا و أمي دون علم ابي, لكنه رفض بتاتا عندما علم, و رجعت الى نقطة الصفر مره آخرى, و لكني حولت دراستي بالجامعه الى التجاره علي انجزها و انجح سريعا, ولكني وجدت نفسي حتى لا أطيق الذهاب الى الجامعه, وازدادت عزلتي مع الوقت, ولا أرى حولي من أصادقه فالناس كلهم أصحاب مصالح الآن و لا يوجد بينهم مخلص حقيقي.

اشعر ان كل أحلامي تهدمت, و عمري يضيع من بين يدي, لا شئ يجعلني سعيد, اشعر بان كل شئ ضدي, و لا أعرف ماذا أفعل؟.

واليك اقول:

اسمح لي ان اناديك بأخي, فان كان لي اخ اصغر فربما كان سيكون في مثل عمرك, أتلمس لك العذر في حالة الاحباط التي تعيشها, فكلنا نعلم كيف هو الحال في غزه, وان كنت لا اخفيك سرا بأن الاحباط كان سمه عامه تسود الوطن كله الى فتره قريبه,لكني اعتب عليك في بعض الأشياء, و تقبل هذه الكلمات من أختك…

طالما نحن أحياء ليس أمامنا دائما سوى أحد خيارين لا ثالث لهما, اما أن نستسلم للحزن و الفشل و الاحباط, ونخرج من كبوه لندخل في أختها, وهكذا سيمر بنا العمر دون اي انجازات, اضافة الى حالة اليأس القاتله التي ستصبح سلوكا مزمنا لدينا, وهذا الخيار هو اختيار الشخص السلبي الذي يجيد أداء دور الضحيه على الدوام و بجداره.

أو أن نثابر و نحاول ونكافح, قد ننجح مره و قد نفشل مره, قد نتعب و قد نشقى, لكننا حتما و في النهايه سنصل الى شئ, لن تمر أعمارنا عبثا حينها, فكن على يقين (ان الله لا يضيع أجر من أحسن عملا),و(ان الله مع الصابرين) و الصابر هنا هو من صبر على الظروف السئيه وعلى مقاومة العالم له, وعلى الاجتهاد و الكد بما فيهما من عمل مستمر, وعلى الاخفاق والفشل و تكرار المحاوله بما فيهم من اختبار لمدى تحملك و اصرارك.

من المؤكد أنك تعرف (شارلي شابلن) الممثل الكوميدي القديم, هل تعرف أنه كان يتيما؟, كبر ليجد نفسه في ملجا لأيتام الفقراء, وقضى جزء كبير من حياته ينام على الأرصفه و لايجد ما يشتري به رغيفا يسد به جوعه, سأله أحد الصحفيون بعدما حقق نجاحا كبيرا و ذاع صيته , كيف وصل الى هذه المكانه بالرغم من كل ما واجه من صعاب, رد عليه قائلا (كنت دائما و في احلك الظروف أثق في أني ممثل ممتاز, وأني حتما سأصل, لكني لم اكن اعرف كيف و قتها, ولولا اعتقادي هذا لكنت ضعت و ذهبت مع من ذهبوا الى بالوعة النفايات).

والأمثله غيره لا حصر لها, (هيلين كيلر) العمياء الصماء البكماء التي تعلمت القراءه و الكتابه الى ان حصلت على أرقى الدرجات العلميه في الفيزياء و الكيمياء, (طه حسين) ذلك الصبي الهزيل الكفيف ابن الأسره الريفيه الفقيره, والذي شق طريقه بكفاحه الى ان يصبح عميد الأدب العربي, (أوبرا و ينفري) اشهر و أغنى المذيعات في العالم الآن ,كانت تحكي ان أمها كانت تحيك لهم (أشولة) او (جوالات) الخضروات كملابس ينامون فيها, لأنه لم يكن لديهم ما يكفي من النقود سوى لاطعامهم, انظر اليها الآن و قد اصبحت مؤسسه اعلاميه مستقله بذاتها رغم أنف كل شئ.

أين أنت من هؤلاء؟, بل اين انت من ابناء جيلك انفسهم الذين يعيشون معك في نفس البلد؟, فمن المؤكد أنك تعرف من فقد ابوه أو أمه أو ربما أسرته كلها, و ربما تعرف من فقد بصره او ذراعه أو قدمه, و من المؤكد انك تعرف من فقد بيته و عمله و أصبح بلا مورد أو ماوى, أنا لا الومك او استخف بمعاناتك, ولكني فقط اريدك ان تعرف ان الناجح ليس من لم يواجه العقبات و الصعوبات قط, ولكنه هو من نجح في مواجهتها و رغما عنها,ألم يقل ربنا في كتابه الكريم (لقد خلقنا الانسان في كبد)؟, فهذا اقرار من الله بأن الانسان خلق في هذه الدنيا ليعاني و يتعب, ثم سيأتي اليوم الذي سيجازى فيه و يرتاح من كل هذا, و لكن ليس في الدنيا, ليس الآن.

كما ان هناك قاعده هامه جدا يجب ان تعرفها يا أخي , هذه القاعده تقول: (حب ماتفعل حتى تفعل ماتحب), شاء القدر أن تدرس في غير المكان الذي تحب, لكن لم يكن هناك اي مانع من أن تدرس في بلدك حتى تتغير الظروف و تتمكن من فعل ماتريد, فربما تتحسن الأحوال الماديه, و ربما يغير والدك رأيه لاحقا, و ربما تستطيع الحصول على منحه لدراسة الماجيستير أو الدكتوراه بعد تخرجك, أو ربما يحدث أي شئ, المهم أن تكون جاهزا وقتها, افعل كل ما في وسعك حتى تكون أهلا للفرصه عندما تأتي, قلة هم من بدأوا حياتهم و اعمالهم كما يحبون, أغلبهم بدأوا بالممكن حتى أمكنهم الحصول على ما يريدون.

 أما بخصوص عزلتك و وحدتك,فلا شك ان الحصول على صديق وفي امر صع, لكن ليكن لديك معارف, زملاء, جيران, الى أن تتوطد علاقتك بأحدهم فتصبحوا اصدقاء يوما ما, والا من اين ستعرف الناس اذا لم تخالطهم من الأساس؟, وان كنت أرى أنك تهدر على نفسك فرصه عظيمه و هي أن تصادق اخوتك, فأنت من صنعت العازل بينك و بينهم, في حين انه قد يكون بينهم من هو افضل صديق لك على الاطلاق.

حب الحياه اكثر يا اخي, افتح عقلك و قلبك للنور, أنت لا زلت في صدر شبابك, و الحياه لا تستمر أبدا على وتيره واحده, أحسن الظن بالله, اعمل كل ما في يدك وما في وسعك الان, وأخيرا (تفائلوا بالخير تجدوه).